فخر الدين الرازي
269
المطالب العالية من العلم الإلهي
والثاني : إن كل حادث ، فإن عدمه يكون سابقا على وجوده ، وذلك السبق أمر ما من الأمور ، كان حاصلا قبل حدوث ذلك الحادث . وهذا يقتضي أن يكون كل حادث ، مسبوقا بحادث آخر ، لا إلى أول . فهذه جملة السؤالات على هذه الوجوه [ واللّه أعلم « 1 » ] والجواب : أما السؤال الأول : وهو قوله : « هذا الخيال إنما وقع لتوهم كون الأول وقتا معينا » قلنا : إنه لا حاجة في تقرير هذه الدلائل إلى ما ذكرتموه . وبيانه في الدليل الثالث أن نقول : إن كل واحد من الحوادث ، مسبوق بعدم لا أول له . فلو قدرنا كل واحد من تلك العدمات شيئا موجودا ، لكان كل واحد من تلك الأشياء قديما . وتلك القدماء لا بد وأن تكون متقارنة الوجود في حيزها ، وإلا لكان حصول بعضها بعد الغير . وذلك يقدح في كونها قدماء . وإذا كانت تلك الأشياء متقارنة في الوجود ، امتنع أن يحصل معها « 2 » شيء من الحوادث . لأن أحد الأمور الحاصلة عند تلك المقارنة ، وهو عدم هذا الحادث . فلو حصل وجود هذا الحادث معه ، لكان وجود الشيء مقارنا لعدمه . وإنه محال . فيثبت : أنا متى فرضنا أن لكل واحد منها عدما سابقا عليه ، لا أول له وجب الحكم بكون كلها مسبوقا بالعدم . وأما السؤال الثاني : وهو المعارضة بالصحة . فنقول : نحن نسلم أنه لا بداية لصحة حدوث الحوادث . ومع هذا فإنه لا يلزم صحة حدوثها في الأزل . والدليل عليه : أنا إذا أخذنا موجودا ممكن الوجود ، بشرط كونه مسبوقا بالعدم ، سبقا زمانيا . فهذا الشيء بهذا الشرط ، لا أول لإمكان وجوده . لأنه لا وقت يجعل أولا لصحة وجوده ، إلا وتلك الصحة كانت حاصلة قبل ذلك الوقت . ثم مع هذا لا يلزم صحة كونه أزليا ، لأن الأزلي هو الذي لا يكون
--> ( 1 ) من ( ط ، ت ) ( 2 ) بعضها ( ت ، ط )